|
خطاطة دراسة الوحدة الفقهية / احمد مبلغی 1- ضرورة البحث : إن التطرق إلى ضرورة بحث المباني الفقهية للوحدة يقف في طليعة المحاور الواجب بحثها في موضوع الوحدة الإسلامية; أي يجب معرفة الفوائد والنتائج المترتبة على هذا البحث، بحيث لو لم يبحث هذا الموضوع لم نعرف الأضرار والمشاكل التي تسفر عنه؟ بما أن هذا الموضوع يندرج تحت مقولة السلوك ومن المقرر أن تتحقق الوحدة في عالم السلوكيات، فإنه يرتبط بالفقه ارتباطاً وثيقاً، خاصة وأن هذا الموضوع السلوكي يطرح على مستوى واسع ويستوجب المتابعة. هذا السلوك ليس سلوكاً فردياً أو عائلياً، وإنما هو سلوك اجتماعي تماماً، وربما يشمل هذا السلوك دائرة واسعة جداً، فالبحث فيه عن الوحدة بين جميع المسلمين; أي أنه يتجاوز كل الأطر المذهبية، ومن هنا تتضاعف أهمية تناول هذا الموضوع فقهياً وذلك لأنه يشمل دائرة واسعة كما قلنا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لأن الوحدة ليست سلوكاً صامتاً بعيداً عن اتخاذ موقف إزاء السلوكيات الأخرى. فليس بوسعنا القول: إما أن نوجد هذا السلوك وإما أن لا نوجده، وإن أوجدنا فلا صلة له بباقي الدوائر السلوكية التي تحاكي الفقه. كلا، إن وجد هذا السلوك ترك أثراً على غيره من السلوكيات الأخرى والأحكام المتعينة لها; وعليه يجب أخذ هذا التأثير بنظر الاعتبار اذا ما أريد بحث موضوع الوحدة. الوحدة عبارة عن سلوك أو عمل سلوكي يجب بلورته من خارج إطاره وإدخاله في دائرة الفقه بسرعة; لأنه لابدّ للفقه أن يحدد موقفه من ذلك السلوك ويبين حالته، هل هو واجب أو حرام أو مستحب أو مكروه أو مباح. وبما أن هذا السلوك سلوك اجتماعي وذونطاق واسع وتربطه بباقي السلوكيات وشائج متينة فان بحثه بحثاً فقهياً بأولوية واضحة، ويفضي بحثه إلى إيجاد تجاذبات وتفاعلات عديدة; حيث قد يتطلب تحقيق الوحدة رفع اليد عن بعض الأحكام وتعطيل واجب مثلا أو ترك أحد الواجبات المذهبية لأجل الوحدة. كما أن عدم التطرق إليه وتجاهله يخلّف جملة من ردود الأفعال التي تنعكس على الأحكام الفقهية المتصلة بأنواع أخرى من السلوك; وعليه لايمكن تجاهله وإعماله. نعم، يجب التطرق إلى موضوع الوحدة وبحثه من زاوية فقهية; لأنه إن بُحث من الناحية الاجتماعية فقط، ووضعت على أثر ذلك جملة من التوصيات بشأن ضرورة الوحدة، لايكون لتلك التوصيات مردود إيجابي; إذ لا طائل منها حينما تكون الاشكاليات والتحديات الموجودة فقهية، فان لم تُبحث الوحدة فقهياً إما أن يؤدي ذلك إلى تهميش الوحدة وإما أن يعيش الانسان حالة من الازدواجية ناشئة من الايمان بضرورة الوحدة من جهة وإحاطتها بغموض فقهي من جهة أخرى; وعلى هذا الأساس فان كثيراً ممن يعتقدون بالوحدة لايطبقونها لوجود مشكلة فقهية أو يطبقونها بشكل أبتر. كل هذا يفرض علينا لزوم التطرق إلى الوحدة من الزاوية الفقهية. 2- مراحل دراسة الوحدة الفقهية: المرحلة الأولی : مرحلة استکشاف ماهية موضوع الوحدة : بعد أن وافقنا على ضرورة جرّ الوحدة إلى الميدان الفقهي، وحكمنا بلزوم ذلك، لابدّ لنا من تحديد معنى دراسة الوحدة دراسة فقهية وتسليط الضوء على المحاور والمجالات التي تشملها. يتوجّب علينا قبل كل شي تحرير الموضوع ، إذ يقع على عاتق الفقيه قبل استنباط الحكم في موضوع ما أن يحرر الموضوع ويعرف أبعاده. إن بعض الموضوعات موضوعات عرفية لاتحتاج إلى تحرير الموضوع لأن الانسان يعرف حدودها وأبعادها بنظرة ابتدائية من خلال الارتكاز العرفي والعقلائي، وبعضها عبارة عن حقيقة شرعية أو متشرعية، فلمعرفة وتحديد موضوعها يجب الرجوع إلى المصادر الشرعية; وعليه يُرجع إلى الشرع في مثل هذه الموضوعات مرتين: الأولى لتسليط الأضواء على الأبعاد الشرعية للموضوع، والثانية لاستنباط أحكامها. وبعض الموضوعات عرفية ـ شرعية; أي أصل الموضوع عرفي لكن الشارع يتدخل لإيضاح حدوده وأبعاده، فيضيف له قيداً أو يحذف منه قيداً. وهنا يجب الرجوع إلى العرف والشرع على حدّ سواء، وعادة ما يكون بيان هذه المواضيع أقل كلفة ومشقة من غيرها كالموضوعات الشرعية أو المتشرعية، غير أنه قد يتطلب عملا شاقاً أحياناً كما لو ولد الموضوع في عرف خاص، فحينما يراد معالجتها فقهياً يحتاج ذلك إلى الرجوع إلى ذلك العرف الخاص وسبر أغواره والغوص في أعماقه. وعلى هذا الأساس، ليس هنالك حالة متساوية ومتكافئة فيما يتعلق بتحرير الموضوع. في السابق كان الفقهاء يرجعون إلى العرف أو الشرع أو المتشرعة لهذا الغرض; إلاّ أنه يتعذر ذلك الآن في ضوء كثرة المواضيع الجدية في مختلف الأبواب كالاقتصاد مثلا، فلا مناص حينئذ من الرجوع إلى الأخصائيين في مختلف المجالات. لذا فأول سؤال يتبادر إلى الأذهان فيما يتصل بموضوع الوحدة هو: هل الوحدة من سنخ الموضوعات العرفية المحضة أم الشرعية أم المتشرعية أم العرفية الشرعية أم أنها من الموضوعات والتخصصات الجديدة؟ سؤال يجب على الأخصائيين الإجابة عنه، والحقيقة أن العرف اليوم قد تطور وتغيّر في عصرنا الراهن عن سابق عهده، واتخذت الوحدة معه طابعاً آخر في عدة مجالات كالاقتصاد والسياسة، لذا لايكفي التحليل الفقهي للوحدة بمعناها العرفي القديم؛ وإن لم تفقد الوحدة هذا المعنى العام لها بالکلية وعلى أية حال، يجب على الفقه الإجابة عن السؤال، هل تجب الوحدة على العالم الاسلامي أم لا؟ ولايمكن التوصية في هذا الاطار، بل لابدّ من جواب فقهي مستدل. ونکرر أن تحرير موضوع الوحدة عمل مهم جداً، ويمكن استنطاق الفقهاء لإبداء رأيهم في هذا المجال. ربما يقال: إن ملاك الوحدة هو العرف بمعناه العام، ولا طائل من العرف الخاص، لكن الأقرب لزوم طرح كل معنى من معاني الوحدة القديمة والحديثة ولزوم التفكيك بينها ودراستها منفصلة عن بعضها ومجتمعة مع بعضها للتوصل إلى النتيجة المتوخاة. المرحلة الثانية: البحث عن قابلية الفقه في التمهيد للوحدة: نواجه هذا السؤال : بما أنّ الفقه كان أحياناً أحد الأسباب الرئيسة والعوامل المهمة للفرقة والانقسام، فأنّى له حينئذ التمهيد للوحدة، وبتعبير آخر ألا يحمل العمل على التنظير للوحدة من منطلق فقهي لوناً من التناقض؟ والجواب أنّ هذه الاشكالية قابلة للحل، بمعنى أن صدى التحركات الفقهية في البعد الاجتماعي أدى إلى الاختلافات والتشظي الديني، فكما جاء الفقه ولم يأمر بالاختلاف، بل جاء ليكشف عن موضوعات أخرى تحولت إلى هوية حملت اسم المذهب، ثم أدّت انعكاسات المذاهب بعدة وسائط إلى الفرقة بعد توفر الأرضية المناسبة والعوال الممهدة لذلك. وبعبارة أخرى: تمخض فقدان المطالعة الفقهية للوحدة والفرقة عن إثارة الفرقة بعدة وسائط، حيث أدى تناول مواضيع فقهية أخرى بشكل مغلوط إلى هذا الانعكاس السلبي; وهذا لايعني أن الخلاف نشأ من قلب الفقه وانبعث منه، بل ثارت الفرقة بفعل عدم تدخل الفقه في بعض المجالات، ثم تمت تغذية تلك الاختلافات وتأجيجها إلى أن وصلت إلى مراحل متطورة. أثبتت التجارت أنه لو لم يتطرق الفقه إلى بعض الموضوعات الفقهية توجد حالة شبه فقهية تسدّ النقص الموجود، وهي غالباً ما تفضي إلى الاحتياط. والمقصود بهذه الحالة أن الحكم في قضية ما يصدر عن الفقيه لكن دون دراسة فقهية; فتأتي هذه الاحتياطات والسلوكيات لتتلبس بلباس الفقه وتحلّ محله، ومن هنا يمكن نسبة الاختلاف إلى الفقه. وفي الحقيقة بوسعنا أن نعزو إلى الفقه إثارة الخلاف من جهتين: الأولى: الهويات الخارجية للمذاهب الفقهية، فما أن تشكلت تلك المذاهب حتى منحت أسباب وعوامل الفرقة فرصة للظهور والعمل على تمزيق الصف الاسلامي، ومن غير الصحيح نسبة ذلك إلى الفقه نفسه. والثانية: الهويات الكلامية، حيث تكوّن أحياناً فرصة لإثارة النعرات والتطرف. فطالما ظل الفقه بعيداً عن بعض المجالات ولم يدخل إلى صلبها فتتاح الفرصة للحالات شبه الفقهية ولأشباه الفقهاء في ملء الفراغ الموجود، ومن ثم تغدو منشأ للاختلاف، ولاينبغي أن يُحسب ذلك على الفقه. إذن، الفقه بما هو هو لم يكن منشأ للاختلاف يوماً، وإنما طرأ فيه بلحاظ وجود قصور من الفقيه نفسه حيث لم يستطع الوصول إلى الحكم الفقهي الحقيقي، أو كانت نظرته جزئية ومفتقرة إلى الشمولية، وما إلى ذلك. والحقيقة أنّ ثمة امتدادات للوحدة في تاريخ الفقه الشيعي يمكنها أن تنهض كإسقاطات لها في عصرنا الراهن. إن الوحدة كانت موجودة في زمن الأئمة(ع)، وهو ما يتطلب بحثاً تاريخياً دقيقاً، إذ يمكن الرجوع إلى بعض الاختلافات الموجودة إذ ذاك بين الأئمة من جهة وبين خلفاء بني أمية وبني العباس وغيرهم من جهة أخرى ودراستها بتمعن وتدبر لاستجلاء رأي الأئمة في هذا المضمار. وبعد زمن الأئمة(ع) كانت هناك علاقات طيبة تربط بين الشيعة وأهل السنة قلما تنتابها العصبية، وربما قصدتم إجراء بحوث مقارنة من قبل بعض العلماء; نعم درس بعض علماء الشيعة في مدارس الفريق الآخر وبالعكس، وكان هناك اختلاط كبير بينهما، خاصة في زمن الشهيد والشيخ المفيد حيث كانوا يحشّون على كتب بعضهم البعض، وتُدرّس كتب بعضهم عند البعض الآخر، فلا يُنبذ الكتاب السني لكونه سنياً مثلا; لكن تلك الوحدة لم تكن وحدة فقهية وانما هي ثقافية، وموضوع بحثنا والوحدة المنشودة اليوم هي الوحدة الفقهية. ومن المؤسف أن تلك الوحدة قد انهارت في زمن الدولة الصفوية أو حتى قبلها ودخل التعصب إلى كل مناحي الدين، في الفقه والكلام و...; ومن هنا تجذرت الاختلافات وأخذت طابع القوعدة، ورغم قيام بعض المصلحين بثورات ترمي إلى ردم الهوة بين المسلمين إلاّ أنها لم تأت إلاّ بحلول آنية. المرحلة الثالثة :الإجابة عن سؤال هل الوحدة قاعدة فقهية : صحيح أنه لم يتم التوصل إلى حكم كالوجوب والاستحباب للوحدة بصورة بارزة ، لكن يجب أن نعرف هل أن الوجوب أو الاستحباب يخلق من الوحدة قاعدة فقهية أم لا؟ أو فقل: أيمكن أن يكون للوحدة حكم من قبيل الوجوب أو الاستحباب ولا تكون قاعدة؟ والجواب: كلا; لأنها موضوع كلي وواسع وتتضمن كافة العناصر المتوفرة في الحكم الكلي المؤهل لصيرورته قاعدة عامة. ويمكن التساؤل أيضاً: أيمكن افتراض الوحدة في عداد الأحكام الكلية فيما لو اتسمت بالوجوب أو الاستحباب؟ نعم، ذلك ممكن; لأنها تحتوي على كافة العناصر التي تؤهل القضية الفقهية إلى حكم كلي وتلبسها ثوب القاعدة العامة. إنه يمكن اعتبار الوحدة نظرية فقهية كما يمكن عدّها قاعدة فقهية، وذلك يعتمد على رؤيتنا للقضية; فان قيل: الوحدة واجبة أو الوحدة مستحبة أو الوحدة مع أهل السنة حرام، فهنا تكون الوحدة قاعدة; لأنها تفيدنا حكماً شرعياً. أما لو صيغت القضية بطريقة أخرى كأن قيل: نظرية الوحدة، فحينئذ لايُنظر إلى وجودها ولا إلى الحكم الشرعي; بل يُنظر إلى أبعاد وأضلاع خاصة، بمعنى إدراج الوحدة ضمن البرنامج الاجتماعي والسياسي للاسلام والتعاليم الاسلامية. في هذه الحالة تصبح الوحدة كنظرية لا قاعدة; لكن ما نبحثه في المباني الفقهية للوحدة هي القاعدة الفقهية، فنحن نريد أن نتوصل إلى الحكم الشرعي للوحدة وأنها واجبة أم لا، وحينئذ لابدّ لنا من بحث نسبتها إلى أدلة الأحكام الأخرى. أما لو قيل بنظرية الوحدة فأعتقد أن أصل النظرية لا زال يكتنفها الكثير من الغموض; إذ أول من طرح وجود نظريات فقهية هم أهل السنة ولم يكن للشيعة دور في ذلك، وأهل السنة لم يتمكنوا من تقديم تعريف واف وشفاف لمعنى النظرية، فتارة ذهبوا إلى أنها تتضمن أركاناً وشروطاً وقيوداً لموضوع ما كنظرية العقد مثلا، وتارة أخرى يعرّفونها بأمر واسع يستبطن أحكاماً وقواعد جزئية. والنظرية عبارة عن رؤية كلية يجب علينا استنباطها وتحديد أطرها، وحينئذ تترك بصماتها على ذهن الفقيه والمستنبط لينعكس ذلك على بنية المسائل والقواعد التي يتوصل إليها. وهذا يعني أن النظرية متقدمة على المسائل والقواعد من حيث الرتبة; لكن ذلك لايعني عدم إمكان التطرق إلى المسائل إلاّ بعد اكتشاف النظرية أولا، حيث إننا في علم الفقه والرجال والحديث والأصول وغيرها صورّنا مسائل تلك العلوم دون اكتشاف النظريات الموجودة فيها. المرحلة الرابعة: مرحلة الادعاءات أو النظريات المحتاجة إلى إثبات : ربما يدعي أحد أن الوحدة واجبة أو يدعي آخر أنها مستحبة أو يدعي ثالث أنها واجبة تارة وتسحبة أخرى، وهذا ما يتطلب عملا مكثفاً للوصول إلى الأدلة حيث إنه ليس عملا هيناً متوفر الأدلة، وإنما يحتاج ذلك إلى حوار موسع وطرح نظريات مختلفة ومناقشتها للوصول إلى نتيجة مقنعة. ثم تأتي مرحلة بلورة الأدبيات الخاصة بالوحدة، وليس من الضروري استباق مرحلة طرح النظريات لمرحلة بلورة الأدبيات، ولو أنه أفضل للإتيان بأدبيات مناسبة للنظريات المطروحة لتسهل عملية التحاور; وعلى كل حال فكلاهما واجب لأن بحث الوحدة بحث عميق. المرحلة الخامسة: مرحلة الاستدلال وسرد الأدلة: كل من يأتي بنظرية عليه أن يدعم مدعاه بالأدلة، ثم تخضع تلك الأدلة للنقض والإبرام من حيث كونها مثبتة للمدعى، لا أعم منه ولا أخص، وغير منقوضة بغيرها; فربّ مستدل يأتي بجملة من الأدلة المثبتة للوحدة، وآخر يأتي بأدلة تنفي الوحدة. من هنا يجب أن تكون نظرة المستدل مستوعبة وشاملة لكل أبعاد الوحدة الواسعة، كما ينبغي أن تكون الأدلة متسقة ومترابطة فيما بينها ترابطاً معقولا ومنطقياً; لذا لايستطيع كل شخص ولوج هذا الميدان وإحراز النجاح فيه بسهولة. وعلى هذا الأساس، تكون هذه المرحلة أصعب المراحل الآنفة. |